محمد بن علي الشوكاني

511

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

أشطره ، ومارس ما لم يمارسه غيره من محبوب ومكروه وصديق وعدوّ وشدة ورخاء وهو أسرع الناس جوابا في كل ما يرد عليه لا يعجم ولا يتلعثم ولا يعتريه خور ، وكثيرا ما يتفرّس في الحوادث [ قبيل ] « 1 » وقوعها فيتّفق وقوعها في الغالب كما [ يحدس ] « 2 » وله اتصال بأكابر الناس وأصاغرهم قد استوت لديه طبقاتهم كما استوت لديه الشدة والرخاء والإقبال والإدبار والمحبوب والمكروه قد رأى نفسه أميرا كما رآها فقيرا ، ورآها تارة في اليفاع وتارة في أخفض البقاع وهو الآن في الحياة قد جاوز السبعين ولم يفتر نشاطه ولا خفّ ضبطه ولا تكدّرت أخلاقه وبالجملة فهو قليل النظير في مجموعه . ومن محاسن كلامه الذي سمعته منه ( الناس على طبقات ثلاث فالطبقة العالية العلماء الأكابر وهم يعرفون الحقّ والباطل وإن اختلفوا لم ينشأ عن [ 73 أ ] اختلافهم الفتن لعلمهم بما عند بعضهم بعضا . والطبقة السافلة عامة على الفطرة لا ينفرون عن الحق وهم أتباع من يقتدون به إن كان محقا كانوا مثله وإن كان مبطلا كانوا كذلك . والطبقة المتوسّطة هي منشأ الشرّ وأصل الفتن الناشئة في الدين وهم الذين لم يمعنوا في العلم حتى يرتقوا إلى رتبة الطبقة الأولى ولا تركوه حتى يكونوا من أهل الطبقة السافلة فإنهم إذا رأوا [ أحدا ] « 3 » من أهل الطبقة العليا يقول بقول لا يعرفونه مما يخالف عقائدهم التي أوقعهم فيها القصور فوّقوا إليه [ 220 ] سهام التقريع ونسبوه إلى كل قول شنيع ، وغيّروا فطر أهل الطبقة السّفلى عن قبول الحقّ بتمويهات باطلة فعند ذلك تقوم الفتن الدّينية على ساق ) هذا معنى كلامه الذي سمعناه منه ، وقد صدق فإن من تأمّل ذلك وجده كذلك . ثم ( مات ) رحمه اللّه تعالى في شهر محرم سنة 1219 تسع عشرة ومائتين وألف ، وقد كان اشتغل بتاريخ دولة الإمام المهديّ العباس بن المنصور [ على السنين ] « 4 » فأملى حوادثها من حفظه

--> ( 1 ) في [ ب ] قبل . ( 2 ) في [ ب ] تحدس . ( 3 ) في [ ب ] واحدا . ( 4 ) زيادة من [ ب ] .